الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

182

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ودلّت ( مع ) على أنّ مكانة مدخولها أرسخ وأعرف ، وفي الحديث الصحيح « أنت مع من أحببت » . والصديقون هم الذين صدّقوا الأنبياء ابتداء ، مثل الحواريين والسابقين الأوّلين من المؤمنين . وأمّا الشهداء فهم من قتلوا في سبيل إعلاء كلمة اللّه . والصالحون الذين لزمتهم الاستقامة . و ( حسن ) فعل مراد به المدح ملحق بنعم ومضمّن معنى التعجّب من حسنهم ، وذلك شأن فعل - بضم العين - من الثلاثي أن يدلّ على مدح أو ذمّ بحسب مادّته مع التعجّب . وأصل الفعل حسن - بفتحتين - فحوّل إلى فعل - بضمّ العين - لقصد المدح والتعجّب . و أُولئِكَ فاعل حَسُنَ . و رَفِيقاً تمييز ، أي ما أحسنهم حسنوا من جنس الرفقاء . والرفيق يستوي فيه الواحد والجمع ، وفي حديث الوفاة « الرفيق الأعلى » . وتعريف الجزأين في قوله : ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ يفيد الحصر وهو حصر ادعائيّ لأنّ فضل اللّه أنواع ، وأصناف ، ولكنّه أريد المبالغة في قوّة هذا الفضل ، فهو كقولهم : أنت الرجل . والتذييل بقوله : وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً للإشارة إلى أنّ الذين تلبّسوا بهذه المنقبة ، وإن لم يعلمهم الناس ، فإنّ اللّه يعلمهم والجزاء بيده فهو يوفّيهم الجزاء على قدر ما علم منهم ، وقد تقدّم نظيره في هذه السورة . [ 71 - 73 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 71 إلى 73 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ( 71 ) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ( 72 ) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ( 73 ) استئناف وانتقال إلى التحريض على الجهاد بمناسبة لطيفة ، فإنّه انتقل من طاعة الرسول إلى ذكر أشدّ التكاليف ، ثمّ ذكر الذين أنعم اللّه عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين ، وكان الحال أدعى إلى التنويه بشأن الشهادة دون بقية الخلال المذكورة معها الممكنة النوال . وهذه الآية تشير لا محالة إلى تهيئة غزوة من غزوات المسلمين ، وليس في كلام السلف ذكر سبب نزولها ، ولا شكّ أنّها لم تكن أوّل غزوة لأنّ غزوة بدر وقعت قبل نزول هذه السورة ، وكذلك غزوة أحد التي نزلت فيها سورة آل عمران ، وليست نازلة في غزوة الأحزاب لأنّ قوله : فَانْفِرُوا ثُباتٍ يقتضي أنّهم غازون لا مغزوّون ، ولعلّها نزلت لمجرّد التنبيه إلى قواعد الاستعداد لغزو العدوّ ، والتحذير من